المدونة

تعزيز الصحة مادةً علمية

أبو فیصل و “نكتة السكري”

مؤخرا، تعمقت كثیرا في مكافحة #الأمراض_المزمنة واستمتعت بالعمل في #التوعیة_الصحیة و #تعزیز_الصحة على أرض الواقع. ولدي قناعة -قد تبدو متفائلة أكثر مما ینبغي- بأن “هزیمة” #الأمراض_المزمنة قضیة في متناول الید وخلال أعوام قلیلة نسبیا.

ذات یوم، كنت أناقش أحد زملائي الأطباء، وهو أحد “أساطین” السكري في السعودیة، وكنت حینها في ذروة حماسي… فقلت له: اسمح لي یا دكتور بان أقول بأن: “داء السكري في بعده المجتمعي، وما وصل إلیه من انتشار وتعقیدات ما هو الا مجرد نكتة” فنظر إلي شزرا، وكأنه یتساءل، فقلت: هو نكتة لأننا لم نتعامل معه بالاستراتیجیات الوقائیة بطریقة علمیة، وإلا لما تفاقم ولا زادت شراسته حتى أصبح یفتك بالكثیر منا ویضغط بقسوة على مواردنا الصحیة، وهو مجرد مرض من #الأمراض_المزمنة المتعلقة بالنمط المعیشي، ویمكن الوقایة منه.

وكأي طبیب تمرس في العمل العلاجي والسریري، ولیس له تعمق في التدخلات الوقائیة او آستراتیجیات #تعزیز_الصحة والتوعیة الصحیة والصحة العامة، استمع زمیلي الى “تمتماتي” وأظهر حاجباه لمحة استغراب. وبدون تعلیق على تمتماتي اقترح علي أن “اكتب اقتراحا” وأرفعه للجهات المعنیة….

دعوني أتوقف عن قصة زمیلي الطبیب واجعل “ابو فیصل” یحدثكم عن قصة نجاته من السكري، واستغنائه عن أدویة السكري، بعد أن وصلت قراءة السكر التراكمي لدیه لحوالي ضعف النسبة الطبیعیة لمدة تتراوح بین 6 و 12 شهر متواصل.

یقول “أبو فیصل” أحیاناً، تتحول المِحَن إلى منح من الله، فتصلح بها أمور أفسدتها عاداتنا وأسالیب حیاتنا، وزاد وطؤها بسبب ضعف وعینا. ففي أحد أیام نهایة الأسبوع من أبریل عام 2016 وكان عمري حینها اثنان وخمسون سنة. كنت قد تناولت طعام العشاء في استراحة، واتبعته ببعض الحلویات، ومضت الأمور كالمعتاد. إلا أنني لاحظت أنني أحسست بالعطش، وشربت كمیة أكبر من المعتاد من الماء، مع شعور بالإرهاق والتعب العام. فخطر ببالي أن أقیس نسبة السكر في الدم وذلك لأول مرة في حیاتي، فلست مریضاً بالسكري. لكن الصدمة جاءت مؤلمة، فقد وجدت مستوى السكر في الدم 330 ملجم، وأنا الآن مریض سكري.

أزعجني الأمر كثیراً فاتصلت بطبیب صدیق وذكرت له ما حدث، فحاول أن یطمئنني وأشار بضرورة إجراء تحلیل لمستوى السكر التراكمي في الدم. وبعد یومین جاءت الصدمة الثانیة، فقد ظهرت نتیجة السكر التراكمي 10 ملیمول. وشرح لي الطبیب ان معنى هذا ان نسبة السكر في الدم كانت مرتفعة خلال مدة تتراوح بین 6 أشهر وسنة وبنسبة تقریبیة بحوالي 200 ملجم یومیاً، وهذه حالة سكري واضحة، ولابد من بدء العلاج.

في البدایة حاولت أن أتهرب من العلاج, وأن أعد طبیبي بالحمیة والریاضة، إلا أنه رفض وأصر على بدء العلاج إضافة الحمیة والریاضة، وذلك بسبب ارتفاع السكر التراكمي.

كان مصدر قلقي من السكري راجعا لسببین؛ الأول أنني في عام 2010 م تبرعت بإحدى كلیتي لأختي، وأعي بوضوح تأثیر مرض السكري على الكلى. والسبب الثاني أن لي تجربة عشتها عن قرب مع أمي (رحمها الله) ومعاناتها مع السكري وكیف أنه كان مصحوباً بأمراض ومضاعفات أخرى.

جلست مع نفسي وأعدت حساباتي وقررت تغییر نمط حیاتي وأن أجعل لریاضة المشي نصیباً فیها، وغیرت نمطي الغذائي، وأضفت مادة السكر ومشتقاته إلى قائمة الممنوعات، وتجنبت الأطعمة التي ترفع معدل السكر في الدم وركزت على المشي والدراجة. ومما ساعدني كثیراً على الاستمرار والتحفیز انضمامي لمجموعة #مشاة_الریاض الذین ینظمون نشاط مشي جماعي مرتین أسبوعیاً، وینشرون أفكار #تعزیز_الصحة والتوعیة الغذائیة.

كما انضممت الى مجموعة #دراجتي_السعودیة ونشاطها الأسبوعي واستفدت من التعلیمات التي یقدمونها للمشاركین حول ثقافة الدراجة، إضافة الى التحفیز الذي وجدته من وسائل التواصل الاجتماعي، والتشجیع الذي وجدته من أسرتي ودورهم في ضبط التغذیة والتجاوب لأفكار التغذیة الصحیة في البیت. فمن حسابات التواصل الاجتماعي التي كان لها دور في نجاحي والتحول نحو تعزیز الصحة والمشي حساب د. صالح الانصاري، أما في التغذیة الصحیة، فكان حساب المهندس حسان الفلو ومشاة الریاض وحساب “اتنفس المشي”

لقد كان أكبر تحدٍ واجهته هو تغییر نمط الحیاة الیومیة، سواء في التغذیة او الاستمرار على ممارسة الریاضة، لكن بعد مرور ثلاثة أشهر أعدت قراءة السكر التراكمي وكانت النتیجة 7 ملیمول مما أعطاني دافعاً وحفزني على الاستمرار.

وبعد 6 أشهر أعدت التحلیل فوجدته أقل من 5 ملیمول. وخلال ستة أشهر فقدت من وزني الزائد ما یقارب 25 كیلو، وحالیاً أوقفت العلاج نهائیاً وذلك بعد استشارة الطبیب.

لقد بدأت المشي بمسافة 3 كلم أقطعها ببطء خلال 60 دقیقة وكنت أكرر ذلك من 3 الى 4 مرات في الأسبوع. وتدرج بي الحال خلال 6 أشهر إلى أن وصلت الى المشي مدة ساعة الى ساعة ونصف من 5 الى 6 مرات في الأسبوع. وبلغ أطول مشوار مشي قطعته متواصلاً 45 كلم في یوم واحد وذلك في وادي حنیفة مع مجموعة من محبي المسافات الطویلة من #مشاة_الریاض اما الدراجة فبدأت مع مجموعة #دراجتي_السعودیة في تمرینهم للمبتدئین یوم السبت بمسافة 10 كلم وتدرجت الى أن قطعت اطول مشوار متواصل بالدراجة مسافة 50 كلم في یوم واحد.

وأصبح الإفطار وجبة رئیسیة عندي، علما بأنني أمضیت فترات طویلة من عمري وأنا لا أفطر. واستمریت في منع السكر ومشتقاته. أما الخبز فكان من إعداد منزلي أعده من البر والشوفان. أما الرز فأتناوله أحیاناً یوم الجمعة فقط، وأصبحت أكثر من تناول الخضار والفواكه والسلطات في الغداء. أما وجبة العشاء فقد ألغیتها من البرنامج الیومي واستبدلتها بوجبة صحیة خفیفة.

أنصح الجمیع بمتابعة اناس محفزین والتعرف علیهم كما أنصح بالمشاركة مع مجموعات لها نفس الاهتمام الصحي والریاضي.

ومما أود توضیحه للقارئ بأن الحیاة الصحیة لا تعني الحرمان، فالغذاء غیر الصحي یمكن الاستغناء عنه ویمكن التعامل مع الجوع ببدیل صحي، وأنه إذا اتضحت الرؤیة وقوي الحافز فإن ممارسة ریاضة المشي لها من الفوائد النفسیة والجسمیة ما یطول شرحه، وسیظهر أثرها بعد فترة قصیرة من الانتظام في ممارستها.

أقول للمبتدئین: الوقایة خیرٌ من العلاج، فاكتشف نفسك واعرف هوایتك ومیولك في اختیار الریاضة، واصنع سعادتك بنفسك واعلم انك الوحید المسئول عن حیاتك، وحاول الا یمر علیك یوم دون ممارسة نشاط ریاضي.

ولله الحمد لم اذكر أن كانت هناك لحظات یأس أو انتكاس. مع أني لاحظت مشكلة ثبات الوزن، لكني تعلمت أن الرقم على المیزان لا ینبغي أن یشكل هاجساً كبیراً، إلا أن مستوى السكر في الدم كان هو همي ومقیاسي للتحسن، فقد مرت علي اوقات احلل 5 مرات واكثر في یوم واحد…. ختاما. لكم تحیات أخیكم،،،، أبوفیصل.

انتهت قصة “أبوفیصل” ولم تنته “نكتة السكري” في حیاتنا، وللحدیث بقیة. فلو أثبتت قصة “أبوفیصل” (وأمثالها كثیر) أن لوسائل التواصل الاجتماعي والعمل التطوعي في نشر الوعي الغذائي و #ثقافة_المشي والدراجة أثر في انتهاء السكري من حیاة ابي فیصل، فاسألوا صدیقي طبیب السكري؛ ما الذي سیحدث لو استثمرت ودعمت هذه الجهود ورُشِدت بالعلم وببعض الموارد؟ وكیف لو أضیفت لها آلیات الطب الوقائي بالتوعیة المدرسیة والإعلامیة، ودعمت بالقوانین والحوافز الملائمة وعلى أسس علمیة،،،، اعتقد انه لو حدث ذلك،،، حینها سنصدق أننا كنا نعیش “نكتة” اسمها السكري.

ودمتم سالمین…

حرر القصة

د. صالح بن سعد الأنصاري

المشرف العام على مركز تعزیز الصحة

المزيد للقراءة

مقالات المركز

فلسفة المشي

من المسلَّم به أن ينظر إلى المشي كوسيلة تنقل من مكان لآخر، وعلى أنه أحد الرياضات التي تعزز الصحة مع ما له خصوصية من بين

التفاصيل »