المدونة

تعزيز الصحة مادةً علمية

الأمراض المزمنة؛ نظرة متفائلة

في نوفمبر 2014 كتبت مقالا بعنوان “تعزيز الصحة؛ من أين نبدأ” وقلت حينها أن علينا أن نبدأ بتعزيز الصحة من “خارج القطاع الصحي” حتى حين…. رابط المقال 

وفي أغسطس 2015 كتبت مقال “تفاؤل بالوقاية” تفاءلت فيه بتصريحات لكبار مسؤولي وزارة الصحة آنذاك والتي لفتت النظر إلى ضرورة التوجه نحو الوقاية في أعمال الوزارة  رابط المقال

وفِي فبراير 2016 كتبت مقالا بعنوان “لماذا أهتم” رابط المقال “تحلطمت” حينها بستة عشر سبب استراتيجي بررت بها ضرورة البدء الملموس في تغيير توجهات الخدمات الصحية من التركيز -شبه الكلي- على العلاج، بإضافة الوقاية إلى الهموم اليومية للقائمين عليها.

أما الْيَوْمَ (ولم يمر وقت طويل على حلطامتي تلك) فيسعدني أن أشارككم تفاؤلا أعيش مظاهره وأراقب أسبابه حول قرب التغلب على #الأمراض_المزمنة ووصول منحنياتها إلى مستويات مستقرة يتوقف فيها التسارع الذي وصفته مرة بأنه “تسارع صاروخي”. بل إنني اليوم أكثر تفاؤلا بقرب تراجع هذه المنحنيات وتناقصها.

واليكم مصادر تفاؤلي:

. كان لرؤية المملكة  2030 التي أخذتها وزارة الصحة على محمل الجد، كان لها دور كبير في توجيه الخدمات الصحية نحو الاهتمام بالرعاية الصحية الأولية وتحسين الخدمات وتقليص المصروفات بالتركيز على الخصخصة واهتمام القطاع الحكومي بالتوجهات الوقائية والعناية بجودة الحياة والنمط المعيشي، وتطوير طروحات التوعية الصحية.

. زيادة نسبة ممارسي الرياضة وانتشار ثقافة #المشي_للصحة في السنوات الخمس الأخيرة، والذي اعتبره خط الدفاع الأول في #تعزيز_الصحة وتحسين #الصحة_العامة والوقاية من #الأمراض_المزمة وتقليص مضاعفاتها. فرياضة المشي هي الخيار الأكثر قدرة على نقل المجتمع من الخمول والكسل إلى الحركة والنشاط، فبالمشي نبدأ.

ولقد امتلأت مؤخرا وسائل التواصل الاجتماعي مشيا، وأصبح المشي حديث المجالس في كثير من الأحيان. ولا أنكر أننا بحاجة ماسة لمعرفة دقيقة بفئات المجتمع التي أصبحت تُمارس الرياضة بعد سنوات من الخمول، وماذا يمارسون من الرياضات؟ وماًهي دوافعهم (تنافس. ترفيه، صحة، رغبة ذاتية….)؟ وما هي أسباب قناعاتهم بالمشي؟ وماذا يمارسون من رياضات أخرى؟….. الخ

. تبلور نماذج العمل التطوعي في مجال نشر ثقافة #المشي_للصحة وانتشار تجاربه على شكل #مجموعات_المشي من #مشاة_السعودية وغيرها ومجموعات #الهايكنج التطوعية ومجموعات المشي النسائية،  ومجموعات الدراجات الهوائية، وتزايد عددها يوما بعد يوم. بل تبلورت صيغ القطاع الخاص في تنظيم رحلات #المشي_في_الطبيعة والمغامرات ورحلات الهايكنج في السنوات الأربع الأخيرة بشكل غير مسبوق.

. جهود القطاعات الأخرى التي جاءت ضمن رؤية المملكة في تحسين جودة الحياة وتفعيل دور التعليم في مكافحة السمنة وتسهيل الرياضة للجميع بتنظيم أعمال النوادي الرياضية للجنسين، ومواكبة أمانات المدن والبلديات لانتشار ثقافة المشي بإنشاء مزيد من مضامير المشي وجهود “أنسنة” المدن وغيرها من الجهود.

. انتشار قصص النجاح في الوقاية من #الأمراض_المزمنة متمثلة في آلاف الحالات التي “نجت” من أثر “الوراثة” وتخلصت من السمنة (أم الأمراض المزمنة) وقصص آخرين أصبحوا يعيشون شيخوخة صحية وتقاعد نشطا في الأعمار التي اعتدنا فيها التسليم بحدوث الأمراض المزمنة. فقد كان التصور الغالب أن هذه “أمراض مستعصية” ذات بعد وراثي محتم، ولا تختفي وليس لها حل سوى البدء بالأدوية ثم التنقل إلى أدوية أخرى أقوى ثم الاضطرار للتدخلات الطبية والجراحية للتعامل مع المضاعفات.

وَمِمَّا يدعم هذا التفاؤل (الذي يبدو في نظر البعض متسرعا) تقّبل المجتمع للتوعية الصحية وتحسين أنماط الحياة بعد عقود طويلة من المعاناة مع السكري والضغط وأمراض شرايين القلب وجلطات الدماغ…. الخ بكل عبئها النفسي والاجتماعي. وما أصاب الناس من يأس من الوقوف في “طوابير الخدمات الصحية” للحصول على “تحسن محدود” وقد لا يغير كثيرا من المسار المعهود لهذه الأمراض. 

. ما يقوم به المتطوعون النشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي من عمل تطوعي بالتوعية في مجالات #تعزيز_الصحة و #التوعية_الصحية بل بدأت الكثير من مؤسسات القطاع الخاص والخيري والمسؤولية الاجتماعية في دعم هذه الأعمال

 وقد كان لتظافر هذه الجهود التطوعية وترابط وتشابه أنشطتها على مستوى المملكة في نشر ثقافة المشي واستخدام الدراجة، كان له دور في بلورة النموذج الذي ينبغي أن يكون عليه #المجتمع_الصحي

. جهود إعادة النظر في توجه الهيئة العامة للرياضة (رعاية الشباب سابقا) من الرياضات التنافسية الصرفة إلى إضافة مجالات رياضية أوسع، وبدء التركيز على الرياضات المجتمعية وشمولها فئات أكثر، وظهور توجه الهيئة نحو #مجتمع_صحي_رياضي

. انتشار مجموعات الواتساب المتخصصة التي تركز على التغذية الصحية والنمط المعيشي الصحي والنشاط البدني بشكل غير مسبوق، يتبادل أفرادها الخبرات والتجارب والتوصيات باستخدام منتجات ومؤسسات توفر “الأكل الصحي” والتي تزايد عددها مؤخرا بشكل لافت.

. وَمِمَّا يدعم الانتقال (الذي يبدو سريعا) بتناقص معدلات الأمراض المزمنة ما نلمسه من سرعة تقبل المجتمع لربط التوعية الصحية بتوجيهات الشريعة السمحة وبالإرث والترابط المجتمعي في التناصح والأمر بالأخذ بالأسباب وتوافق ذلك مع الفطرة السليمة. وهذا مما يميز مجتمعنا الكريم مقارنة بما يحدث في جهود التوعية المتناقضة (بين توجيهات العلم والحريّة الشخصية) التي نراها في تجارب الغرب.

. وقد أكون أكثر تفاؤلا بتغيُر نظرة المجتمع التقليدية للنشاط البدني بأن المشي مرتبط بالمرضى والحوامل ومن لا يقدر ماديا على استخدام السيارة الخاصة،،،، إلى أن يصبح المشي للجميع. بل إن الذين يعيشون الخمول لم يعودوا يتفاخرون بخمولهم، ويشعرون بالتقصير ويظهرون العزم على البدء “ذات يوم” بل إن كثيرا من هؤلاء ظلوا “مراقبين” لهذا الحراك لسنوات ثم انخرطوأ اخيراً في تجربة رياضية أو أخرى ولحقوا بالركب.

. قد يكون من أسباب تفاؤلي ظهور ونشر المزيد والمزيد من الأبحاث الطبية التي تربط بين الأمراض المزمنة والنشاط البدني والنمط المعيشي وآثارها التي تتفوق على ما تفعله الأدوية، بعدما كان التعليم الطبي المستمر يركز على المشكلة داخل إطار المستشفيات والتدخلات السريرية لا خارجها. 

. أصبح عدد أكبر من الأطباء والعاملين في المجال الصحي ينصحون مرضاهم بممارسة النشاط البدني والمشي وتعديل النمط المعيشي الصحي، ويعطون العلاجات دورها الحقيقي المحدود، ولا يعولون عليها أكثر من اللزوم كما كان سابقا. بل أصبح الكثير منهم ينشرون مزيدا من قصص النجاح عن بعض مَرْضاهم وتحسن حالاتهم.

. ومن واقع تواجدي في أعمال التدريب والاستشارات الصحية، فقد بدأت ألمس توجها أوسع نحو سوق الاستشارات والإدارة الاحترافية للحملات  في مجالات #تعزيز_الصحة والوقاية من “أمراض العصر” كما ألاحظ  اهتماما أكبر لدى القطاع الصحي الحكومي والخيري والخاص وقطاعات المسؤولية الاجتماعية بأنشطة التسويق الاجتماعي والتسويق الصحي والتوظيف العلمي لها في جهود تحسين الأنماط المعيشة… الخ

أما بعد: أقف مع من قد يشكك في حجم التفاؤل الظاهر في حديثي هذا، وأدعو الى أن نكون متفائلين حتى لو ثبت ضعف أسباب التفاؤل التي أوردتها، أو أن هذا الانحسار لا يزال في بداياته. بل أرى أن محاصرة هذه الامراض بالوسائل المذكورة هو ما يجب أن تركز عليه إن كنّا مقتنعين بجدوى الوقاية، وهو ما لا يشك فيه أحد.

أدعو المؤسسات العلمية والبحثية والجامعات، إلى التحري العلمي عما حدث في معدلات ممارسة النشاط البدني والتغير في معدلات حدوث الأمراض المزمنة في السنوات الأخيرة. وما إذا كانت مبررات التفاؤل هذه مؤثرة، وما هو أثر كل من هذه الظواهر والأسباب التي أوردتها في التحكم في الأمراض المزمنة والمفاضلة بينها كأدوات ووسائل للتدخل. كما أدعو القائمين على التعليم الطبي وعلى التخصصات الصحية إلى إعطاء مجالات وعلوم الوقاية حظا أوفر وتطوير القدرات البشرية في هذه المجالات.

كما أدعو إلى دعم  الرعاية الصحية الأولية والصحة المدرسية في الوقاية من الأمراض المزمنة، والاهتمام بتحسين البيئة وتعزيز الصحة في أوساط العمل وتعزيز صحة الموظفين.

ختاما، أدعو إلى مزيد من التعاضد بين القطاع الحكومي والخيري والخاص في مجالات التوعية الصحية وتفعيل أعمال المسؤولية الاجتماعية نحو مزيد من التحكم في الأمراض المزمنة التي صرح أحد وزراء الصحة السابقين بأنها تستهلك ما يتراوح بين 40 و 50% من مصروفات وزارة الصحة.

ودمتم سالمين.

*  د. صالح بن سعد الأنصاري

 الأستاذ المساعد في طب الأسرة والمجتمع

 مستشار الصحة العامة في وزارة الصحة

المزيد للقراءة

قصص في تعزيز الصحة

المشي وارتفاع ضغط الدم

  راجعت مؤخراً تفاصيل كثيرة عن العلاقة بين ارتفاع ضغط الدم والرياضة ، فوجدت في هذا الصدد معلومات لا يتعلمها الطلاب في كليات الطب، وقليلا

التفاصيل »